حين أخذتني الصحافة من المحاماة /المتميز عبدو احمين السالم

لم تكن سرقةً بقدر ما كانت قدراً جميلاً كتبه الله لي بين سطور الأخبار وفي أروقة الحقيقة.
كنتُ أخطط بعناية لأكون محامياً .
سلكتُ درب الدراسة خطوةً خطوة، حتى وصلتُ إلى كلية العلوم القانونية والاقتصادية بجامعة نواكشوط، وتخرجتُ من قسم القانون – شعبة العلاقات الدولية بتقدير جيد يخولني مواصلة الدراسة خارج البلد لنيل الدكتوراه.
كان كل حلمي أن أواصل دراساتي العليا، وأن أقف يوماً في ساحة القضاء أدافع عن الحق وأصون الحريات.
شرعت في إستكمال تلك المهمة ، وأرسلت ملفي الى المغرب. حيث كانت الأمور قاب قوسين أو أدنى من الإنتهاء..
رأيتُ في مهنة المحاماة حصناً للعدالة، وكنتُ أعدّ نفسي لها.
لكن في المقابل، وجدتُ نفسي منجذباً عكس إرادتي نحو العمل الصحفي.
مهنةٌ سرقتني من حلم المحاماة، لا لأنها أجمل، بل لأنها أصدق في التعبير عن نبض الناس.
بدأ الأمر منذ نهاية المرحلة الابتدائية.
كنتُ أطارد الأخبار، أستمع لنشرات إذاعة موريتانيا و بي بي سي وصوت ألمانيا و الصين و إذاعة الجماهيرية ، وأحفظ أسماء المذيعين و أقلد أدائهم .
لم تكن تلك الأمور مجرد هواية، بل كانت شغفاً يدفعني لمراسلة الإذاعة الوطنية وبعض الاذاعات الدولية والدخول إلى أندية المراسلة.
ثم دخلتُ معترك الأندية الثقافية في أوج العطاء الثقافي خلال منتصف تسعينيات القرن الماضي، حيث كانت دار الشباب الجديدة بالميناء ودار الشباب القديمة في لكصر، تعجان بالندوات والعروض المسرحية والسجالات الأدبية.
وفي خضم ذلك، جاءت التجربة الميدانية الأولى: مسك قلم التحرير في بعض الصحف المحلية.
هناك اكتشفتُ أن للحقيقة لذةً لا تضاهيها لذة، وأن للكلمة وزناً يفوق وزن القوانين أحياناً.
فاندفعت خلف مهنة الصحافة، وخرجتُ من جلباب مهنة المحاماة التي تخصصتُ في القانون من أجل الوصول إليها.
سرقتني الصحافة دون استئذان، لكنني لم أندم.
واليوم، حين ألتقي بزملاء الدراسة الذين أصبحوا بين المحامين والقضاة وضباط الشرطة، أرى في عيونهم استغراباً.
يعرفون شغفي بالمحاماة، ويعرفون أن الطريق كان سالكا أمامي ، لكنهم قد لا يدركون أن الصحافة أيضاً ساحة للعدالة، وأن القلم قد يكون أحياناً أصدق إنباء من سيف القانون.
أنا اليوم أواصل مشوار مهنة الصحافة بعد أن خضت معاركها العظيمة بسيوفي الخشبية ، وفي ميادينها المكتوبة والمسموعة والمرئية..
قدمت النشرات و البرامج ، وأعددت التقارير و الريبورتاجات وشاركت في نقل الوقائع والأحداث وجلت في غرف التحرير و قاعات المونتاج..
كان كل همي هو حماية قدسية الخبر، وتكريس مواثيق شرف المهنة.
فالخبر أمانة، والكلمة مسؤولية، والصمت عن نقل الحقيقة دون رتوش ولا مساحيق ، خيانة.
وفي هذا اليوم العالمي لحرية الصحافة، أستحضر تضحيات جسام لكوكبة من الزملاء والزميلات في المهنة، منهم من قضى نحبه على درب الحقيقة، ومنهم من ينتظر، قابضاً بإخلاص وصدق وأمانة على جمر هذه المهنة المرهقة النبيلة.
فإلى الراحلين: أسأل الله الرحمة والمغفرة، وأن يجعل ما قدموه في ميزان حسناتهم.
وإلى الأحياء: تمسكوا بأخلاقيات وشرف هذه المهنةوعضوا عليهما بالنواجذ..
إعملوا على التضحية في سبيل أن تبقى الصحافة عين الضمير، وصوت الحقيقة، وموطأ الأكناف وسجادة حمراء لجباه الشرفاء.
أنتم أصحاب الجلالة..
أنتم مداد المجد و عدسة الكرامة..
أنتم السلطة الرابعة وحراس الحقيقةوالشهامة..
أنتم الصامدون في وجه العاصفة والأخبار الزائفة ،
القادرون وحدكم على تعرية الكلمات الكاذبة المأجورة، وفضح بائعي الضمير وخائني الأوطان.
—–
وفي هذا اليوم الأبلج، أفتح قوسا خاصا لأتقدم بخالص التهاني والتبريكات ، معمدة بالبخور والمسك الى أخي وأستاذي ، عميد الصحافة الرياضية الموريتانية ، الدكتور *محمد ولد الحسن* ، بعد دخوله ، دخول الفاتحين الى المكتب التنفيذي للاتحاد الدولي للصحافة الرياضية، ممثلا للقارة الإفريقية، في سابقة وإنجاز تاريخي لصالح الصحافة الرياضية الموريتانية و العربية و الإفريقية ككل.
راجيا لتضحياته الجسام أن تنال من التثمين محليا، أضعاف مانالت من الإشادة دوليا.
——-
ولأن الصحافة قدرٌ لا يُستأذن …
فإنني أدلف الى غرفة الإعتراف لأقول:
أخذتني الصحافة من قاعة المحكمة،
فوجدتُ في قاعة الشعب محكمةً أوسع.
هنا… حيث الكلمة سيفٌ لا يُشهر إلا للحق،
والقلم شهادةٌ لا تُكتب إلا للصدق.
سرقتْني الصحافة… نعم،
لكنها أعطتني وطناً أوسع من قاعة،
وميداناً أرحب منصة،
وصوتاً أعلى من صدى الأروقة.
فإن كانوا قد لبسوا رداء المحاماة،
فقد لبستُ رداء الحقيقة.
وإن كانوا قد أقسموا على العدل،
فقد أقسمتُ أن لا أخون الكلمة.
فطوبى للصحافة…
وطوبى لكل من حمل جمرها وأكتوى بنارها،
وصان قدسية الخبر،
وظل وفياً لضمير الناس، شاهدا و شهيدا
فَتِلْكَ الصَّحَافَةُ نَبْعُ الحَيَاةِ
مَتَى نُزِّهَتْ مِنْ سُمُومِ الشَّرَرْ
وَحَرَّرَهَا مِنْ جُمُودٍ عَقِيمٍ
ذَوُو الفِكْرِ مِمَّنْ يَصُوغُ الدُّرَرْ
——
كل عام وصحافتنا حرة..
كل جامعة القاضي عياض بمراكش: كلية الحقوق بمراكش.جامعة وأقلامنا صادقة..
كل عام وخطوات إعلامنا واثقة..
كل عام وحرية صحافتنا تتمد في فضاءات شاسعة..
الاعلامي المتميز عبدو احمين السالم



