جاك… الفرنسي الذي أنفق من ماله ليصنع نجوم الكرة الموريتانية ثم طواه النسيان

في تاريخ كرة القدم الموريتانية أسماء صنعت المجد تحت الأضواء، وأخرى صنعت من وقفوا تحت الأضواء ثم غابت بصمت. ومن بين هذه الأسماء المنسية يبرز الفرنسي الراحل جاك، الرجل الذي ارتبط اسمه بمرحلة التأسيس الأولى للكرة الموريتانية، لكنه رحل من دون أن يحظى بما يستحقه من الوفاء والتكريم.
خلال السنوات الأولى التي أعقبت استقلال موريتانيا، كانت الرياضة الوطنية تواجه ظروفاً شديدة الصعوبة، في ظل ضعف الإمكانات المالية، وندرة المنشآت والتجهيزات، ومحدودية الاهتمام الرسمي. وفي ذلك الزمن الصعب، لم ينتظر جاك دعماً من جهة، ولم يتذرع بغياب الموارد، بل بادر إلى تشكيل فريق لكرة القدم، وتحمّل نفقاته من ماله الخاص، إيماناً منه بالمواهب الموريتانية وقدرتها على التألق متى وجدت من يرعاها ويوجهها.
لم يكن الفريق بالنسبة إلى جاك مجرد مجموعة تجتمع لخوض المباريات، بل كان مدرسة رياضية حقيقية احتضنت الشباب، ومنحتهم فرصة التدريب والمنافسة والانضباط. ومن بين صفوفها برز عدد من أكبر نجوم كرة القدم الموريتانية الذين حملوا لاحقاً راية الكرة الوطنية، وأسهموا في كتابة صفحات مهمة من تاريخها.
كان جاك يوفّر، على حسابه الشخصي، ما يحتاج إليه الفريق من ملابس وتجهيزات ومستلزمات، ويسخّر وقته وجهده لخدمة اللاعبين. وقد قام بذلك في مرحلة لم تكن فيها كرة القدم تحظى بالدعم الذي تعرفه اليوم، ولم تكن أمام الشباب أندية كثيرة أو أكاديميات ومدارس تكوين تساعدهم على تطوير مواهبهم.
وتكشف الصورة التاريخية المرفقة جانباً من تلك الرحلة؛ إذ يظهر جاك واقفاً إلى جانب مجموعة من اللاعبين الشباب، في مشهد لا يمثل مجرد صورة تذكارية لفريق رياضي، وإنما يوثق فصلاً مهماً من بدايات كرة القدم الموريتانية. وخلف الوجوه والقمصان والملعب المتواضع قصة رجل آمن بالشباب الموريتاني، واستثمر في مواهبهم من دون انتظار مقابل أو شهرة.
لقد أسهم جاك في سد فراغ كبير في وقت كانت فيه الرياضة الوطنية بحاجة إلى كل مبادرة فردية مخلصة. وكان دوره يتجاوز التدريب وتكوين الفريق إلى اكتشاف المواهب، وتشجيع اللاعبين، وغرس روح الالتزام والمحبة لكرة القدم في نفوس أجيال كاملة.
ومع مرور السنوات، رحل جاك عن الحياة، وبدأ اسمه يغيب تدريجياً عن الذاكرة الرياضية. أما الأجيال الجديدة، فإن كثيراً منها لا يعرف شيئاً عن الرجل الذي أنفق من ماله وأسهم في بروز نجوم صنعوا تاريخ الكرة الموريتانية. وهكذا أصبح أحد رواد مرحلة التأسيس ضحية للنسيان، على الرغم من أن أثره لا يزال حاضراً في مسيرة اللاعبين الذين احتضنهم وفي الذاكرة التي تختزنها الصور القديمة.
إن استعادة سيرة جاك اليوم ليست مجرد حديث عن الماضي، بل هي دعوة إلى إنصاف الرجال الذين خدموا الرياضة الموريتانية في أصعب مراحلها. فالأمم التي تحترم تاريخها تحفظ أسماء روادها، وتوثق أعمالهم، وتعرّف الأجيال الجديدة بتضحياتهم.
لقد حان الوقت لأن تبادر الجهات الرياضية الموريتانية إلى تخليد اسم هذا الرجل، من خلال تكريمه بعد رحيله، وتوثيق تجربته، وجمع شهادات اللاعبين الذين عرفوه، وربما إطلاق اسمه على بطولة للفئات العمرية أو جائزة لاكتشاف المواهب.
جاك؛ جاء من خارج موريتانيا، لكنه أحب أبناءها وخدم كرتها بإخلاص، وأنفق من ماله ليصنع لهم مساحة للحلم. وإذا كانت الأيام قد طوت اسمه، فإن الوفاء يفرض علينا أن نعيده إلى المكان الذي يستحقه في ذاكرة الرياضة الموريتانية.



