الاتحاديات الرياضية الموريتانية… كيف تحقق الإنجازات بميزانيات لا تكفي للبقاء؟

بقلم: الدكتور محمد ولد الحسن
في كل دورة أولمبية أو بطولة إفريقية أو عربية، يتكرر السؤال نفسه: لماذا تعجز معظم الاتحاديات الرياضية الموريتانية عن تحقيق نتائج توازي طموحات الرياضيين والجمهور؟
البعض يفضل البحث عن الأسباب في التسيير أو التكوين أو ضعف القاعدة الرياضية، غير أن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن أي اتحاد رياضي لا يستطيع صناعة الأبطال دون موارد مالية وبنية تحتية وبرامج عمل مستمرة.
في موريتانيا، لا يتجاوز الدعم السنوي الموجه للعديد من الاتحاديات الرياضية الأولمبية مبلغ 200 ألف أوقية جديدة، وهو مبلغ بالكاد يكفي لتغطية بعض المصاريف الإدارية الأساسية، فضلاً عن تنظيم البطولات الوطنية أو إعداد المنتخبات أو المشاركة في المنافسات الخارجية.
كيف يمكن لاتحاد رياضي أن يكتشف المواهب ويكوّن المدربين والحكام وينظم البطولات ويرسل المنتخبات إلى الخارج ويقتني المعدات الرياضية بهذا المستوى من التمويل؟
في المقابل، تخصص دول إفريقية رائدة في المجال الرياضي مبالغ ضخمة لدعم اتحادياتها الرياضية. ففي المغرب، تواصل الدولة ضخ عشرات الملايين من الدراهم سنوياً في دعم الاتحاديات الرياضية، حيث تم تخصيص 82 مليون درهم لدعم 35 اتحادية رياضية في إحدى دفعات الدعم الحكومية، مع استمرار برامج التمويل والتجهيز والتكوين. كما ارتفعت الاستثمارات العمومية في القطاع الرياضي بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة في إطار الاستعداد لاستضافة التظاهرات القارية والعالمية.
أما السنغال، التي أصبحت نموذجاً إفريقياً في التطور الرياضي، فقد اعتمدت سياسة تقوم على دعم الاتحاديات والبنية التحتية الرياضية والاستثمار في التكوين وإعداد المنتخبات، إضافة إلى المشاريع الكبرى المرتبطة باستضافة دورة الألعاب الأولمبية للشباب دكار 2026، والتي رصدت لها استثمارات بملايين اليوروهات لتطوير المنشآت الرياضية والبيئة الرياضية الوطنية.
النتيجة كانت واضحة للجميع. فالمغرب أصبح قوة رياضية إفريقية في ألعاب القوى والجودو والتايكواندو والسباحة والملاكمة وكرة القدم وغيرها. والسنغال فرضت نفسها قارياً في كرة القدم وعدد من الرياضات الجماعية والفردية.
أما في موريتانيا، فما زالت أغلب الاتحاديات الرياضية تعيش على المنح الدولية المحدودة، أو على المساهمات الشخصية لرؤسائها وأعضائها، في ظل غياب موارد وطنية كافية تسمح بتنفيذ برامج تنموية حقيقية.
إن الحديث عن تطوير الرياضة الوطنية لا يمكن أن يظل مقتصراً على الخطابات والشعارات والقرارات الإدارية والقوانين الفارغة . فالأبطال لا يصنعون بالنيات الحسنة، وإنما بالاستثمار والتخطيط والتمويل.
ومن الصعب مطالبة اتحاديات رياضية بتحقيق ميداليات إفريقية أو أولمبية في وقت لا تمتلك فيه الموارد الضرورية لتنظيم بطولاتها الوطنية بشكل منتظم، ولا القاعات المتخصصة، ولا برامج اكتشاف المواهب، ولا ميزانيات الإعداد الخارجي.
لقد أثبتت التجارب الإفريقية الناجحة أن الرياضة ليست عبئاً على الدولة، بل استثمار في الشباب والصحة والهوية الوطنية والصورة الدولية للبلد.
وإذا كانت موريتانيا تريد حقاً رؤية علمها يرتفع في المنصات القارية والدولية، فإن أول خطوة يجب أن تبدأ من إعادة النظر جذرياً في مستوى الدعم الموجه للاتحاديات الرياضية الأولمبية، لأن الإنجازات الكبرى لا تولد من الميزانيات الهزيلة، بل من الإرادة السياسية المصحوبة بالتمويل الكافي والرؤية الواضحة.




